الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
437
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
عنه مع إمكان انقلابه بالنظر إلى قدرة الله تعالى وليس ذلك إلا من جهة العادة ونقول بمثله في المقام وتارة نقول إن الله سبحانه يوجد العلم الضروري عقيب إظهار المعجزة بصدقه في كل ما يخبر به من الأحكام والوقائع وقد يزاد هناك وجهان آخران بالنسبة إلى استحالة الكذب أحدهما أنه لو جاز الكذب عليه تعالى لكان صفة له تعالى فتكون قديمة وإلا لزم اتصافه بالحوادث وهو محال وإذا كانت قديمة امتنع عليه الصدق أما الملازمة فلتقابله مع الصدق فيقتضي صدق أحدهما كذب الآخر ومن المقرر أن ما يثبت قدمه امتنع عدمه وأما بطلان التالي فلقضاء الضرورة بأن من علم شيئا يمكن أن يخبر عنه على ما هو عليه وثانيهما وهو الذي اعتمد عليه في المواقف في استحالة الكذب عليه إخبار النبي صلى اللَّه عليه وآله يكون صادقا في كلامه وقد علم إخباره به من ضرورة الدين وقد دل المعجزة على صدقه في خبره ولا يذهب عليك أن ذلك بعينه هو الوجه المتقدم من الاستناد في التصديق إلى المعجزة ويمكن دفع الجميع أما الأول فبما هو بين من أن مجرد موافقة المصلحة وعدمها لا يفضي بوجوب الفعل على الله أو امتناعه إذ لا يجب عليه الإتيان بالأفعال على وفق المصالح ولا يمتنع عليه كما هو مختارهم في ذلك على ما نصوا عليه ولو قالوا فيه بالوجوب والمنع عادت المسألة إلى محل النزاع لرجوعه إذن إلى المدح والذم وقد وقع الاحتجاج بالنحو المذكور على استحالة الكذب عليه تعالى في كلام المعتزلة وقد صرح الأشاعرة بإبطالها بمنع المقدمة المتقدمة وأما التالي فلإرجاع صفة الكمال والنقص بالنسبة إلى الأفعال إلى الحسن والقبح بالمعنى المتنازع فيه حسبما مرت الإشارة إليه وأما الثالث فبأن جريان العادة إنما يعلم بعد تكرار الفعل كثيرا على نحو واحد حتى يستقر الأمر عليه ويعلم من جهتها بالحال فلا يجري ذلك في أول الأنبياء بل ولا في أحد منهم إذ لا يعلم صدقهم إلا بالمعجزة فمن أين يحصل العلم بالصدق حتى يتحقق العادة في المقام وكذا الكلام في الكذب إذ العلم بجريان العادة إنما يحصل بعد العلم بعدم كذبه في شيء من إخباراته حتى يتحقق العادة المذكورة وهو غير معلوم لاحتمال أن يكون جميع إخباراته الغائبة من حواسنا أو معظمها كزماننا هذا إن أرادوا بالعلم العادي هو الحاصل من جريان العادة دائما على النحو المخصوص وإن أريد به حصول العلم العادي الضروري عقيب ذلك رجع إلى الجواب الرابع وهو الذي يظهر من كلامهم عند بيان دلالة المعجزة على صدق النبي صلى اللَّه عليه وآله في الكتب الكلامية وأما الرابع فبأن حصول العلم الضروري في المقام بمجرد الإتيان بالمعجزة كما ادعوه مخالف لما جرت عليه عادة الله سبحانه في إفاضة العلوم الضرورية إذ هي منحصرة بحسب الاستقراء في قاطبة الفطريات والوجدانيات وذوات الأسباب من المحسوسات والحدسيات والتجربيات ولا يندرج ذلك في شيء منها ودعوى حصول العلم الضروري في غير المذكورات لما جرت عليه العادة ودعوى حصول العلم الضروري فيما لم تجر العادة في نظائره بحصول العلم غير مسموعة كمن ادعى إيجاد علما ضروريا بحدوث عقيب ثبوت زيد أو تولد عمرو ونحوهما مما لا ارتباط له بحدوث الإهلاك فضلا عن دعوى حصوله بعد ذلك بالنسبة إلى سائر الناس مضافا إلى أنه لو بني الأمر على إيجاد العلم الضروري كيف ما كان ولما كان هناك حاجة إلى المعجزة وجاز إيجاده بمجرد ادعائه النبوة فيكون اعتبار ذلك لغوا بل يكون إرسال الرسل وإنزال الكتب أيضا عبثا للاكتفاء بإيجاد العلم الضروري بالأحكام من دون سبب ومقتض في الجميع كذا ذكره بعضهم في المقام وقد أضفنا إليه بعض ما يؤيد المرام قلت ويمكن دفعه بإدراجه في المحسوسات لا بأن يكون نفسه محسوسا بل ما يؤدي إليه حينا فإنه أيضا بمنزلة الإحساس به كالعلم الضروري بالشجاعة والسخاوة ونحوها من الصفات النفسية بأن يكون من الإحساس بآثارها البينة فإن الإحساس بتلك الآثار بمنزلة الإحساس به كالعلم بمباديها وبذلك يندرج العلم الحاصل بها في الضروريات ومن مؤدى المحسوس وحينئذ نقول إن الإحساس بالفارق بعد ادعائه النبوة كما يوجب العلم الضروري بحصول الخارق كذا يفيد العلم بصدق المدعى كما يشاهد ذلك بالنسبة إلى الفطرة السليمة إذا ألقي عليه المعجزة إذ بمجرد رؤيته لصدور المعجزة العظيمة الخارقة للعادة يقطع بصدق ذلك المدعى في دعواه كما يشاهد ذلك في معاشر الأنبياء صلوات الله عليهم فإن من يرى منهم ذلك لا يبقى له مجال للريب في تصديقهم إلا أن ينكر كون ذلك معجزة بدعوى السحر كما هو الحال في الكفار المشاهدين للمعاجز وإلا فبعد تسليم عدم كونه سحرا لم يكن للكفار أيضا محال للتشكيك وإنما كان تلبيسهم على الناس أو على أنفسهم من جهة دعوى كونه سحرا لا معجزة كيف ولولا ذلك لم يقم للأنبياء عليهم السلام حجة بإبداء المعجزة إلا بعد إثبات الصانع وحكمة وعموم عمله وقدرته حتى يتم لهم دلالة المعجزة على تصديقهم وليس الحال كذلك بل كان مجرد إبدائهم المعجزة برهانا لهم على تصديقهم ألا ترى إلى قول فرعون لقومه ما عملت لكم من الله غيري ومع ذلك لم ينقل موسى المباحثة معه في إثبات المطالب المذكورة وإقامة البرهان عليها ولا حكاه سبحانه تعالى في شيء من قصص موسى وفرعون بل جعل برهانه العصا واليد البيضاء حيث قال له سبحانه فذانك برهانان عن ربك إلى فرعون وملئه وبعد ما جاء بهما لم يناقش معه فرعون في إفادة تصديقه إلا بدعوى كونه سحرا إذ الحاصل أن إبداء المعجزة بعد دعوى الرسالة يفيد علما ضروريا بصدق المدعى بحيث لا مجال للفطرة السليمة إنكاره وبه يثبت وجود الصانع وسائر صفاته الكمالية وصدق النبي صلى اللَّه عليه وآله على قبح إجراء المعجزة على يد الكاذب حسبما ذكر في الاستدلال فلا يتم الاحتجاج المذكور نعم قد يقال بأنه لا بد من ارتباط بين إبداء المعجزة وبين صدق صاحبها ليصح من جهة الانتقال منها إليه والظاهر أن ذلك من جهة دلالتها على مرتبة الآتي بها وبلوغه إلى أقصى درج الكمال فلا يقع منه الكذب لعلو منصبه عن ذلك حينئذ وذلك أيضا على قاعدة التحسين والتقبيح إذ لو كان الصدق والكذب متساويين في ذلك لجاز منه وقوع الأمرين فلا يتم الجواب أيضا من دون البناء على القاعدة المذكورة فتأمل الثالث أنه لو لم يثبت حكم العقل بالتحسين والتقبيح لزم إقحام الأنبياء وانقطاعهم فيما يظهرونه من الدعوى والتالي واضح الفساد بيان الملازمة أنه لا حسن ولا قبح إذن مع قطع النظر عن حكم الشرع فإذا